ابن العربي

606

أحكام القرآن

الأولى ضرب زيدا عمرا . الثانية زيد ضرب عمرا . الثالثة عمرا ضرب زيد . الرابعة ضرب عمرا زيد . الخامسة زيد عمرا ضرب . السادسة عمرا زيد ضرب . فالخامسة والسادسة نظم مهمل لا معنى له في العربية ، وجاء من هذا جواز تقديم المفعول ، كما جاز تقدّم الفاعل ، بيد « 1 » أنه إذا قدمت المفعول بقي بحالة إعرابا ، فإذا قدّمت الفاعل خرج عن ذلك الحدّ في الإعراب ، وبقي المعنى المخبر عنه ، وحدث في ترتيب الخبر ما أوجب تغيير الإعراب ، وهو المعنى الذي يسمّى الابتداء ، ثم يدخل على هذا الباب الأدوات التي وضعت لترتيب المعاني وهي كثيرة أو المقاصد وهي أصل في التغيير ، ومنها وضع الأمر موضع الخبر ، تقول : اضرب زيدا . ولما كان الأمر استدعاء إيقاع الفعل بالمفعول ، ولم يكن بعد هنالك فاعل سقط في إسناد الفعل ، وثبت في تعلّق الخطاب به وارتباطه ، وتكون له صيغتان : إحداهما هذه . والثانية زيدا اضرب ، كما كان في الخبر ؛ ولا يتصوّر صيغة ثالثة ، فلما جاز تقديمه مفعولا كان ظاهر أمره ألّا يأتي إلا منصوبا على حكم تقدير المفعول ، ولكن رفعوه لأنّ الفعل لم يقع عليه بعد ، وإنما يطلب وقوعه به فيخبر عنه ، ثم يقتضى الفعل فيه ، فإن اقتضى ولم يخبر لم يكن إلا منصوبا ؛ وإن أخبر ولم يقتض لم يكن إلّا مرفوعا ، فهما إعرابان لمعنيين ، فلم يكن أحدهما أقوى من الآخر . ( تتميم ) فإذا ثبت هذا فقلت : زيد فاضربه فإن نصبته فعلى تقدير فعل ، وإن رفعته فعلى تقدير الابتداء ، ويترتب على قصد المخبر ، ويكون تقديره مع النصب اضرب زيدا فاضربه ، فأما إذا طال الكلام فقلت : زيدا فاقطع يده كان النصب أقوى ؛ لأنّ الكلام يطول فيقبح الإضمار فيه لطوله . وهذا « 2 » قالب سيبويه أفرغنا عليه . وأقول : إن الكلام إذا كان فيه معنى الجزاء ، أو كانت الفاء فيه منزّلة على تقدير جوابه فإنّ الرفع فيه أعلى ؛ لأن الابتداء يكون له ، فلا يبقى لتقدير المفعول إلّا وجه بعيد ؛ فهذا منتهى القول على الاختصاص . واللّه عزّ وجلّ أعلم .

--> ( 1 ) بيد أنه : غير أنه . ( 2 ) في القرطبي ( 6 - 166 ) : والنصب اختيار سيبويه لأن الفعل بالأمر أولى . قال سيبويه رحمه اللّه : الوجه في كلام العرب النصب كما تقول : زيدا اضربه ، ولكن العامة أبت إلا الرفع يعنى عامة القراء وجلهم ؛ فأنزل سيبويه السارق منزلة الشخص المعين .